❗الكاتب والمحلل السياسي يحيى دايخ❗ ❗️sadawilaya❗
22 شباط 2026
لم تعد أزمة السيادة في لبنان مسألة توصيف خطابي أو سجال سياسي، بل تحوّلت إلى إشكالية بنيوية تستدعي قراءة تحليلية عميقة تتجاوز ثنائية "الدولة الضعيفة" و"التدخل الخارجي".
فلبنان اليوم لا يعيش فراغاً سيادياً فحسب، بل يخضع لنمط جديد من السيطرة السياسية والأمنية والاقتصادية، لا يتجسّد في احتلال عسكري تقليدي، ولا يُعلن عن نفسه كوصاية رسمية، بل يعمل عبر أدوات ناعمة قسرية تُفرغ الدولة من جوهرها مع الإبقاء على شكلها.
من هنا، تبرز الحاجة إلى بناء مفهوم تحليلي جديد (كما صغت مفهوم جديد "الصراع الجيوتقني" في دراسة خاصة عن الوجه الخفي للاصرار الامريكي على تحييد إيران) حيث أن المفهوم الجديد يصف بدقة هذا الواقع، بعيدًا عن الاستعارات المستهلكة، وقادر على تفسير التناقض القائم بين وجود مؤسسات رسمية من جهة، وغياب القرار السيادي الفعلي من جهة أخرى.
أولًا - نحو بناء مصطلح تحليلي جديد "السيادة المُعلَّقة"
يقترح هذا المبحث التحليلي اعتماد مصطلح "السيادة المُعلَّقة" بوصفه إطاراً تفسيرياً لحالة لبنان الراهنة.
"السيادة المُعلَّقة" هي حالة تكون فيها الدولة:
قائمة دستوريًا ومؤسساتيًا
معترفًا بها دوليًا
لكنها محرومة عمليًا من حرية القرار في القضايا المصيرية،
أي أن السيادة لا تُلغى، بل تُعلَّق وبالتالي:
لا تُمارَس بالكامل، ولا تُستعاد، بل تُدار من الخارج عبر منظومة ضغوط متشابكة.
هذا النمط يختلف عن
الاحتلال العسكري المباشر
أو الوصاية التقليدية
أو مجرد النفوذ السياسي
إنه احتلال غير مُعلن للقرار، مع إبقاء النخب المحلية في موقع الإدارة لا الحكم.
ثانيًا - الإطار النظري: السيادة في الفكر السياسي والقانوني
في النظرية الدستورية الحديثة، تقوم السيادة على ثلاثة أعمدة:
1. الاستقلال في اتخاذ القرار السياسي.
2. التحكم بالموارد الاقتصادية والمالية.
3. احتكار قرار الأمن والسلم داخل الإقليم.
أي إخلال ممنهج بهذه الأعمدة يُسقط السيادة فعليًا، حتى لو بقيت الدولة قائمة شكليًا.
وانطلاقًا من هذا المعيار، فإن الحالة اللبنانية تمثل نموذجًا متقدمًا لـ"السيادة المُعلَّقة"، حيث تتآكل الأعمدة الثلاثة معًا.
ثالثًا - تجليات السيادة المُعلَّقة في الحالة اللبنانية
1. الغطاء السياسي للعدوان الصهيوني:
استمرار الاعتداءات والاغتيالات والمجازر، من الجنوب إلى البقاع وصولًا إلى الهرمل، يقابله موقف رسمي يراوح بين الصمت والتنديد اللفظي.
هذا السلوك لا يمكن تصنيفه كعجز فقط، بل كجزء من إدارة سياسية للأزمة بما لا يزعج الراعي الخارجي.
الدور المحوري هنا تؤديه الولايات المتحدة الأمريكية، بوصفها الضامن السياسي والعسكري للعدو الإسرائيلي، ما يجعل الصمت اللبناني جزءًا من معادلة ردع مقلوبة، تُمنح فيها الحصانة للمعتدي لا للضحية.
2. الحصار المالي ومنع الإعمار كأداة سيطرة:
الحصار المالي المفروض، ومنع إعادة الإعمار، وتهديد أي جهة تحاول كسر هذا الحصار، تشكّل جميعها سلاحاً اقتصادياً سيادياً يُستخدم لإخضاع الدولة والمجتمع معاً.
في هذا السياق، لا يعود الاقتصاد ملفاً تقنياً، بل يتحول إلى:
أداة ضبط سياسي ومعاقبة جماعية.
وهو ما ينسجم تمامًا مع منطق "السيادة المُعلَّقة"، حيث يُمنع القرار الاقتصادي المستقل، ويُربط أي انفراج بشروط سياسية خارجية.
3. هندسة السلطة التنفيذية: نهاية القرار الوطني المستقل وتتمثل في تسمية:
- رئيس الجمهورية
- رئيس الحكومة
- غالبية الوزراء
- نواب في البرلمان
- وكبار المدراء
لم تعد نتاج توازنات داخلية بحتة، بل تخضع لمعادلة "القبول الخارجي المسبق".
وهنا يبرز الدور المباشر للمملكة العربية السعودية، ليس كداعم سياسي، بل كفاعل مقرِّر في إعادة إنتاج السلطة.
بهذا المعنى، تتحول الحكومة من سلطة سيادية إلى هيئة تنفيذية لسياسات مرسومة خارج الحدود.
4. الإقصاء السياسي الممنهج:
منع زعيم طائفة عريقة من ممارسة العمل السياسي في بلده يشكّل سابقة خطيرة في الحياة الدستورية اللبنانية. فهذا الفعل:
يلغي التمثيل السياسي لشريحة واسعة
يعيد تشكيل التوازنات الداخلية قسرًا
ويفتح الباب أمام شرعنة الإقصاء كأداة حكم
وهو ما يُعدّ أحد أبرز مظاهر "السيادة المُعلَّقة"، حيث يُعاد رسم المشهد السياسي وفق مقاييس خارجية لا وطنية.
5. التحكم بالعملية الانتخابية:
التحكم بمواعيد الانتخابات، قوانينها، وحدود التحالفات المقبولة، يجعل من العملية الديمقراطية:
أداة لإعادة إنتاج السلطة نفسها، لا لمحاسبتها
الديمقراطية هنا لا تُلغى، بل تُفرَّغ من مضمونها، وتُستخدم كواجهة شكلية لواقع غير سيادي.
6. الإعلام كأداة سيطرة معرفية:
تمويل وسائل إعلام تروّج للرواية الصهيونية وتشيطن أي خطاب مقاوم، يدخل في إطار الحرب النفسية والمعرفية، وهي أحد أعمدة السيطرة الحديثة.
في نموذج "السيادة المُعلَّقة"، لا يُستهدف السلاح فقط، بل:
الوعي، والسردية، والذاكرة الجمعية.
7. الوجود العسكري والأمني الأجنبي
وجود قواعد أو انتشار أو حواجز لقوات أجنبية (أمريكية- بريطانية) على الأراضي اللبنانية، مهما كانت الذرائع، يشكّل الدليل الميداني الحاسم على تعليق السيادة فعليًا، لأن الدولة ذات السيادة لا تسمح بتقاسم المجال الأمني مع قوة خارجية.
رابعًا - الخلاصة:
لبنان كنموذج لدولة تحت السيادة المُعلَّقة
يمكن توصيف الحالة اللبنانية بأنها:
دولة قائمة بلا قرار،
وسلطة حاكمة بلا سيادة،
ومؤسسات تعمل ضمن سقف مرسوم خارجيًا
إن مصطلح "السيادة المُعلَّقة" لا يصف لبنان فقط، بل يفتح بابًا لتحليل حالات مشابهة في المنطقة، حيث لم يعد الاحتلال يحتاج إلى جيوش، بل إلى:
- أدوات مالية
- نخب محلية متكيفة
- وإدارة أزمات دائمة تمنع الاستقلال الحقيقي
وفي ظل هذا الواقع، يصبح النقاش الحقيقي ليس حول شرعية المقاومة أو عدمها، بل حول شرعية سلطة فقدت شرطها السيادي الأساسي.
وختاماً
إن استعادة السيادة لا تبدأ بإصلاحات تقنية، ولا بانتخابات مُدارة، بل بكسر منطق "التعليق" نفسه، أي استعادة القرار من الخارج إلى الداخل.
وإلى أن يتحقق ذلك، ستبقى الدولة شكلًا، والسيادة مؤجلة، والصراع مفتوحًا بين شعب يريد أن يحكم نفسه، ومنظومة تُدار نيابةً عنه.